Press archive print

'The Book of Khalid' and the Art of Narrative in Ameen Rihani

«كتاب خالد» وفن القص عند أمين الريحاني

Unidentified Arabic publication أرشيف الصحافة العربية · date not stated
No online copy of this item is known.

Print clipping, pages 61-65 of the scanned clippings PDF

‫قبل مئة عام‪ ،‬اصدر أمين الريحاني كتابا ? مدهشا?‪ ،‬يندرج في عداد البدايات الروائية الطليعية في الدب‬ ‫العربي الحديث ـ بعنوان »كتاب خالد« ـ الوساط الثقافية عندنا‪ ،‬وفي عدد من بلدان العالم‪ ،‬تحتفل‬ ‫بمئوية هذا الكتاب الريادي‪.‬‬ ‫أرجو لهذه المقالة ان تشكل نوعا ? من السهام في قراءة راهنة لهذه الرواية‪/‬الكتاب‪ ،‬فتحاول ان ترى‬ ‫إلى ريادية الريحاني في هذا النجاز الريادى‪ ،‬فنيا ? وفكريا ? ورؤيويا?‪ ،‬في مسيرة الثقافة العربية الحديثة‪،‬‬ ‫قبل مئة عام من يومنا هذا‪ …‬كلمة تمهيدية لعل عنوان »البدايات الروائية« هو التعبير النقدي الصح‪،‬‬ ‫واقعيا ? وتاريخيا ? وموضوعيا?‪ ،‬وبالتأكيد فنيا?‪ ،‬لتوصيف المسألة‪ /‬الشكال‪ :‬مسألة )الريادة( في الرواية‬ ‫العربية!‬ ‫?‬ ‫ففي يقيني ان النقد الدبي العربي يكون أكثر انسجاما مع حداثته إذا تخلى عن مثل هذه التحديدات‬ ‫الحاسمة‪) :‬ـ أول رواية عربية! ـ أو‪ :‬أول قصيدة عربية حديثة!ـ أو‪ :‬أول مسرحية عربية! الخ‪… (..‬ذلك ان‬ ‫حركة تكو‪Z‬ن نوع أدبي فني ما‪ ،‬وتكامل هذا النوع الدبي‪ /‬الفني في عمل محدد او ـ غالبا ? ـ في عدة‬ ‫اعمال‪ ،‬وصول ? إلى تمي ‪Z‬زه كنوع جديد‪ ،‬مختلف‪ …‬إنما تسير إلى التشكل في سياق )عملية( تطول او‬ ‫تقصر زمنيا ?‪ ،‬ولكنها عملية متعددة السهامات‪ ،‬متنوعة‪ ،‬متفاعلة‪ ،‬تتجاذبها التقاليد والنواع الدبية‬ ‫المتواجدة‪ ،‬ولكنها تنجذب إلى جديدها واستقلليتها وتكاملها‪ ،‬استجابة لضرورات العصر والمستقبل‪،‬‬ ‫وإسهاما ? في رسم معالمه أيضا?‪ …‬وقد ل ينفصل النوع الدبي الجديد هذا‪ ،‬في حركة تكامله وتمايزه‪ ،‬عن‬ ‫القول الجديد الذي يحمله‪ ..‬قول يتصف هو أيضا?‪ ،‬وغالبا?‪ ،‬بطابع ريادي‪ ،‬تقدمي‪.‬‬ ‫ولعل هذه الفقرة التمهيدية الولى‪ ،‬كان ل بد منها على عتبة الحديث عن كتاب »روائي«‪ ،‬إشكالي‪،‬‬ ‫ومتمي‪Z‬ز هو من جملة العمال الروائية الريادية الولى في الدب العربي الحديث‪.‬‬ ‫رواية الريحاني تطرح أسئلتها‬ ‫»كتاب خالد«‪ ،‬العمل »الروائي« الول لمين الريحاني‪ ،‬يطرح سؤاله الفني على العمال القصصية‬ ‫الروائية الخرى للريحاني نفسه‪ ،‬وعلى الروايات العربية التي ظهرت في زمنه ذاك‪ ،‬وكذلك على النقد‬ ‫الدبي العربي في يومنا هذا‪…‬‬ ‫]]]‬ ‫فعندما أخذ الريحاني يكتب بعض القصص ـ في أوائل هذا القرن ـ لم يكن يهدف إلى اقامة بناء قصصي‬ ‫فني بقدر ما كان يهدف إلى ايصال أفكاره وآرائه‪ ،‬في عدد من قضايا عصره‪ ،‬إلى ناس زمانه‪ ،‬فاختلط‬

‫عنده شكل القصة بشكل المقالة‪ ،‬هكذا كان أيضا ? شأن الخرين من كت‪Z‬اب زمانه‪ :‬سليم البستاني‪ ،‬مثل?‪،‬‬ ‫وفرح انطون‪ ،‬ونقول حداد‪ ،‬ويعقوب صروف‪ ،‬وحتى قصص جبران اللهبة لم تسلم من هذا الترسل‬ ‫الوعظي الذي يضع هذه الكتابة على التخوم بين القصة والمقالة كوسيلة مرغوبة لعلن الفكار‬ ‫الصلحية‪ ،‬متحمس ينثر مواعظه على العالمين‪.‬‬ ‫»قصص« الريحاني‪ ،‬إذن‪ ،‬هي بنت ذلك الزمن‪ ،‬من حيث الطريقة والسلوب‪ ،‬ولكنها تحمل قيمة‬ ‫تاريخية‪ .‬روايته التي قيل انها روايته الولى‪» ،‬زنبقة الغور«‪ ،‬الصادرة بالعربية عام ‪ ،1915‬هي الرجاء‪،‬‬ ‫أجواؤها متنوعة جدا ?‪ ،‬وأحداثها الكثيرة لم تقتصر على بلد واحد‪ ،‬بل كان مسرحها العالم الوسع‪ :‬تبدأ في‬ ‫الناصرة بفلسطين‪ ،‬ثم طبريا فحيفا‪ ،‬وبعدها تنتقل الحداث إلى القاهرة وإلى باريس‪ ،‬وإلى لبنان‪ ،‬ثم‬ ‫إلى عكا‪ ،‬فالناصرة وبحيرة طبريا من جديد‪ .‬هيكل الرواية‪ :‬أحداث مأساوية ناتجة عن استسلم امرأة‬ ‫لرجل بدون زواج‪ .‬غدر الرجل بها‪ .‬تشردت المرأة وتاليا ? طفلتها في انحاء الرض‪ .‬وكذلك طفل طفلتها‬ ‫الذي جاء‪ ،‬هو أيضا‪ ،‬نتيجة غدر رجل آخر ـ أحداث الرواية هذه متشابكة بشكل مشو‪Z‬ق بحيث يتابعها‬ ‫القارئ بلهفة رغم تلك الصفحات الكثيرة التي يقطع بها الريحاني الحداث‪ ،‬ليعل‪Z‬ق عليها وليكرز بآرائه‬ ‫في الكون والحياة‪.‬‬ ‫?‬ ‫نستطيع القول إن الريحاني قد تأثر هنا كثيرا بروايات هيغو ودوماس وغيرهما من الروائيين الرومنتيكيين‬ ‫الذي تتشابك الحداث في رواياتهم وتتعقد وتتسع بهذا الشكل الرحيب‪ ،‬كما ان تلك الصفحات التي‬ ‫يصو‪Z‬ر فيها الريحاني البؤس الرهيب والتدني المريع في معيشة الناس القاطنين حول بحيرة طبريا‪،‬‬ ‫تذكرنا بأجواء هيغو في »البؤساء«‪ .‬ولعل فضل »زنبقة الغور« أنها أسهمت في انتقال أدبنا الروائي من‬ ‫اشكال المقامات والسجع التقليدي‪ ،‬ومه‪Z‬دت الطريق أمام أدب روائي عربي اكثر دخول ? في العصر من‬ ‫حيث البناء الفني الحديث‪.‬‬ ‫بعد »زنبقة الغور« اصدر الريحاني )عام ‪ (1917‬رواية »جهان‪ ،‬او خارج الحريم«‪ ،‬أحداثها تدور في تركيا‬ ‫اثناء الحرب العالمية الولى‪ .‬أجواء الدسائس والتجسس والمؤامرات والفساد‪ ،‬وعنصرية الضباط‬ ‫اللمان‪ ،‬وأصوات الحرية خافتة‪ ،‬ولكنها ملحاحة وسط فوضى الصراع المحتدم‪.‬‬ ‫وكان قد أصدر عام ‪ ،1909‬مجموعة أقاصيص »سجل التوبة«‪ ،‬أحداثها مأخوذة من التاريخ القديم وتاريخ‬ ‫تركيا أيام السلطان عبد الحميد‪ .‬وفيها يصوغ الريحاني الكثير من آرائه في الحرية والطغيان‪ ،‬وإدانته‬ ‫للسيطرة التركية‪ ،‬واستشرافه مستقبل العرب في الحرية والستقلل‪.‬‬ ‫قصص الريحاني هذه قد ل تطرح من القضايا »الفنية« ما يختلف عن قصص وروايات ذلك الزمان‪:‬‬ ‫اختلط بين شكل القصة وشكل المقالة‪ ،‬ودور يمه‪Z‬د للدخول في مرحلة الرواية العربية الحديثة‪ .‬دخول‬ ‫مبكر في الحداثة الروائية ولكن رواية الريحاني التي جعل عنوانها »كتاب خالد« تختلف‪ ،‬ربما جذريا?‪ ،‬عن‬ ‫أعماله الروائية والقصصية هذه‪ ،‬وكذلك عن العديد من روايات الكت‪Z‬اب العرب الخرين المعروفة في ذلك‬ ‫الزمان‪ ..‬فرغم أن رواية »كتاب خالد« صدرت عام ‪) 1911‬أي‪ :‬قبل رواية »زنبقة الغور« بأربع سنوات‪،‬‬ ‫وكذلك قبل الرواية التي اعتبرها النقد الدبي العربي »الرواية العربية الولى«‪ ،‬نعني رواية »زينب«‬ ‫لمحمد حسين هيكل‪ ،‬الصادرة عام ‪ (1914‬فإن رواية الريحاني هذه متقدمة فنيا ? وفكريا ? سنوات كثيرة‬ ‫إلى المام‪.‬‬ ‫?‬ ‫والمعروف ان رواية »كتاب خالد« كتبت أساسا باللغة النكليزية‪ ..‬فهل توجهه إلى القارئ الميركي‬ ‫مارس تأثيرا ? ما في صياغة هذه الرواية وفي تشكيلها الفني؟‪ ..‬ام ان القضايا الفكرية والروحية التي‬ ‫تحملها الرواية هي في أساس نسيجها التركيبي المتشابك‪ ،‬والتقدم النسبي في بنائها الفني؟‬ ‫ثم‪ ،‬هل عدم صدورها بالعربية أساسا?‪ ،‬وانها لم تنقل إلى اللغة العربية إل بعد ‪ 75‬عاما ? من صدورها الول‬ ‫)]( رغم ان أحداثها تتناول الواقع العربي في ذلك الزمان‪ ،‬وان مؤلفها هو من الرواد الدعاة إلى الوحدة‬ ‫العربية منذ أوائل القرن العشرين‪ ..‬هل هذه السباب هي في أساس عدم إدراج هذه الرواية في‬ ‫السياق الريادي الطليعي للرواية العربية؟ اسئلة كثيرة يطرحها على النقد الدبي العربي واقع المستوى‬ ‫المتقد ‪Z‬م لهذه الرواية‪ ،‬المتجاوزة لزمان صدورها‪ ،‬وواقع القضايا الفكرية الجتماعية المتقد‪Z‬مة التي‬ ‫تحملها هذه الرواية الرائدة!‬ ‫التعر ف على بعض هذه السئلة‪ ،‬عبر التعرف على الرواية‪ :‬شخصياتها‪ ،‬وأفكارها‪،‬‬ ‫‪Z‬‬ ‫ولكن‪ ،‬لنحاول‬ ‫وأحداثها‪ ،‬وبناؤها التركيبي‪.‬‬ ‫من هو »خالد«‪ ،‬وما هو نوع »روايته«؟‬ ‫نستطيع القول‪ ،‬بداية‪ ،‬ان هذا الكتاب هو القاعدة الفنية والفكرية التي نهض فوقها كتابان متميزان في‬

‫تاريخ أدبنا العربي‪ ،‬صدرا أول ? بالنكليزية أيضا?‪ ،‬هما‪ :‬كتاب »النبي« لجبران خليل جبران‪ ،‬وكتاب »مرداد«‬ ‫لميخائيل نعيمة‪ .‬وليست تهمنا هنا المفاضلة بين هذه الكتب القيمة الثلثة‪ ،‬وأي‪Z‬هما الجمل والهم‪ …‬ولكن‬ ‫م تعاليم وتطلعات باتجاه‬ ‫ما تشترك فيه هذه الكتب هو تلك اللهجة الفلسفية النبوية‪ ،‬ولكون كل منها يض ‪Z‬‬ ‫نوع من الفكار في إصلح حال البشرية جمعاء‪ ،‬وتحلم بنوع من العالم الفضل او »المدينة الفاضلة«‪.‬‬ ‫على أن »كتاب خالد« يتمي‪Z‬ز عن هذين الكتابين بأنه‪ ،‬إلى هذا‪ ،‬يضم نوعا ? من السيرة الذاتية لهذا الكاتب‪/‬‬ ‫المصلح‪ ،‬الذي يطلق عليه الريحاني اسم »خالد«‪ ،‬في حين انه يشكل الصورة الروائية لجوانب من‬ ‫مسيرة الريحاني نفسه وتجارب حياته بين لبنان واميركا والبلد العربية‪ ،‬مع تركيز واضح على )الفكار‬ ‫والراء والتعاليم(‪ ،‬بحيث يصير هذا الكتاب نوعا ? من السيرة الذاتية لفكر الريحاني وأيضا للفكر النهضوي‬ ‫العربي حتى فترة كتابة الكتاب‪ …‬ويرسم الريحاني‪ ،‬هنا‪ ،‬ملمح من صورة الشرق والغرب‪ ،‬على صعيد‬ ‫أنماط الحياة والفكر والفن‪ ،‬وعلقات التوافق والتناقض والتنافر بين هذين العالمين‪.‬‬ ‫]]]‬ ‫عندما صدر »كتاب خالد« بالنكليزية‪ ،‬عام ‪ ،1911‬أحدث ضجة أدبية فكرية واسعة في عدد من الصحف‬ ‫الميركية والعربية على السواء‪ ،‬وأثار اهتماما ? جديا ? في النقد الدبي‪ ،‬نظرا ? لما يشكله من نوع أدبي‪/‬‬ ‫فكري مختلف‪ ،‬وله جاذبية خاصة نابعة من هذا المزج التناقضي بين صورة الشرق وصورة الغرب‪ ،‬بقلم‬ ‫أديب شرقي اكتسب خبرة ومعاناة لنماط الحياة في هذين العالمين‪ .‬وأثار الكتاب في حينه‪ ،‬وربما الن‬ ‫أيضا?‪ ،‬العديد من القضايا النقدية والفكرية‪.‬‬ ‫من هذه القضايا‪ ،‬مثل‪ :‬مسألة النوع الدبي الذي ينتسب إليه »كتاب خالد« هذا ـ فهل هو )رواية(؟‪ ..‬ام‬ ‫هو )سيرة ذاتية( للمؤلف؟‪ ..‬ام هو مجرد )إطار قصصي( اتخذه المؤلف ذريعة لعرض آرائه ومواقفه‬ ‫بصدد النظمة الجتماعية‪ ،‬ومستقبل البشر‪ ،‬وقضايا الحرية والتقدم‪ ،‬والمقارنة بين أنماط الحياة والفكر‬ ‫والفن في الشرق وفي الغرب؟ ام هو نوع من )الجمع التأليفي( بين هذه النواع الثقافية‪ /‬البداعية‬ ‫الثلثة كلها؟‪..‬‬ ‫فإذا أردنا ان نتفحص مدى انتساب هذا الكتاب إلى النوع الروائي‪ ،‬فليس يصح مطلقا ان نقارن »كتاب‬ ‫خالد« ـ الصادر عام ‪ 1911‬ـ بما صار إليه فن الرواية العربية اليوم‪ ..‬بل من الضروري‪ ،‬اول?‪ ،‬ان نقارن‬ ‫هذا الكتاب بما كان عليه حال »الرواية العربية« في زمن صدور الكتاب نفسه‪ ،‬فنرى مدى الجديد الذي‬ ‫حمله إلى النوع الدبي الذي ينتسب إليه‪.‬‬ ‫في هذا الطار‪ ،‬نستطيع القول‪ :‬إن »كتاب خالد« اقرب إلى النوع الروائي منه إلى أي نوع أدبي آخر‪…‬‬ ‫بل نستطيع ان نذهب إلى أبعد من هذا فنرى‪ :‬ان الفن الروائي في »كتاب خالد« ليس من النوع‬ ‫السردي البسيط‪ ،‬حسب أساليب الروايات العربية في تلك الفترة‪ ،‬بل هو يتخذ ذلك الشكل التركيبي‬ ‫المعقد القرب إلى ما يوصف بالحداثة في الرواية العربية المعاصرة‪ .‬تعدد الصوات فالمسار الروائي‪،‬‬ ‫في »كتاب خالد«‪ ،‬يمر عبر ثلثة أصوات لثلث شخصيات )هي‪ :‬الراوي‪ ،‬ثم‪ :‬خالد نفسه‪ ،‬وصديقه‪:‬‬ ‫شكيب(‪ ..‬وهذه الصوات ل تتناوب القص‪ ،‬كأن يروي كل منها فصل ? او حادثة‪ ،‬بل هي تتداخل في مختلف‬ ‫الفصول‪ ،‬بحيث يرى القارئ إلى الحادثة الواحدة‪ ،‬أحيانا?‪ ،‬من زوايا مختلفة ومن خلل عيني كل من هذه‬ ‫الشخصيات‪.‬‬ ‫وهذا التعدد في الصوات‪ ،‬والتداخل بينها‪ ،‬واختلف زوايا النظر إلى الحداث والناس والفكار‪ ،‬يمتد على‬ ‫مدى الرواية كلها‪.‬‬ ‫]]]‬ ‫يقول لنا الراوي‪ ،‬في مطلع الكتاب‪ ،‬إنه عثر في المكتبة الخيديوية بالقاهرة على مخطوطة كتاب يقول‬ ‫كاتبه ان اسمه »خالد« وهذه المخطوطة مثيرة للفضول بحيث يعمل الراوي على نسخها كاملة‪ ،‬ليعرف‬ ‫منها حياة كاتبها خالد وأسراره‪.‬‬ ‫ثم يفهم الراوي‪ ،‬من أحاديث بعض الناس‪ ،‬ان »خالد« هذا هو شخص حقيقي موجود‪ ،‬وهم يلقبونه‬ ‫بـ»النبي« ويقولون‪ :‬إن رجال »تركيا الفتاة« يلحقونه‪ ..‬ثم يقولون له‪ :‬إذا أردت ان تعرف المزيد من‬ ‫أخبار خالد ومكان وجوده‪ ،‬فاسأل صديقه الحميم جدا ? وتلميذه الذي اسمه »شكيب«‪.‬‬ ‫يعثر الراوي على شكيب هذا‪ ،‬فيجده حزينا ? جدا?‪ ،‬ويخبره ان صديقه الحميم خالد »قد اختفى بصورة‬ ‫غامضة تكتنفها السرار«‪ ،‬ثم يخبره بأنه انتهى لتو‪Z‬ه من وضع مخطوطة عن حياة معلمه خالد ووصف‬ ‫أخلقه وطباعه ومزاياه وأحلمه‪ ،‬وقد اطلق على المخطوطة اسم »التاريخ الحميم«‪ ،‬وهو يضع هذه‬ ‫المخطوطة بين يديه‪ ،‬لتذهب عبره إلى اوروبا والعالم‪» :‬ينبغي على اوروبا ان تعرف خالد معرفة‬

‫أفضل‪.«..‬‬ ‫‪…‬وهكذا‪ ،‬يعمد الراوي إلى حياكة نسيج روائي‪ ،‬متشابك‪ ،‬يأخذ بعض خيوطه من )مخطوطة خالد(‪،‬‬ ‫وبعضها من )مخطوطة شكيب(‪ ،‬وبعضها من مشاهدات واختبارات الراوي نفسه‪ ،‬ومن تعليقات شكيب‪،‬‬ ‫وذلك في سياق من السرد المركب‪ ،‬يسوق إلينا الراوي‪ ،‬عبر هذا النسيج الشبكي ـ وفي أشكال من‬ ‫التشويق‪ ،‬والسخرية‪ ،‬والقفز السريع بين الواقع والخيال‪ ،‬السرد والفانتازيا ـ أحداث حياة خالد وأفكاره‬ ‫وأحلمه معا?‪:‬‬ ‫التغرب‪ ،‬إلى الهجرة برفقة‬ ‫‪Z‬‬ ‫خالد‪ ،‬فتى لبناني من مدينة بعلبك‪ ،‬تدفعه الحاجة والمشاكل العائلية‪ ،‬وهوس‬ ‫صديقه شكيب إلى اميركا التي يقال إنها »فردوس الناس المهاجرين« ـ كأن هذا في زمان ما قبل العام‬ ‫‪ 1911‬ـ وخلل المسيرة نحو اميركا‪ ،‬يتكش‪ Z‬ف المر‪ ،‬تدريجيا?‪ ،‬عن ان هذا الفردوس ليس فردوسا?‪..‬‬ ‫فالصديقان يعانيان صعوبات الذل والهانة والجوع أحيانا ? وهما‪ ،‬بعد‪ ،‬في الطريق إلى‪» …‬الرض‬ ‫الجديدة«‪.‬‬ ‫وفي »الرض الجديدة« هذه‪ ،‬تبدأ المعاناة الحقيقية‪.‬‬ ‫امام مرفأ نيويورك‪ ،‬خالد يتساءل‪» :‬أهذا هو باب الفردوس‪ ،‬ام المرفأ التابع لمدينة دنيوية تحرسها‬ ‫الشياطين؟«‪ ..‬ومن المرفأ إلى الدخول في »يوم الحشر« بين اللف المؤلفة من المهاجرين الفقراء‬ ‫المرضى التائهين اللجئين إلى هذا »الفردوس« من مختلف انحاء الرض‪ ..‬يعاني الصديقان ذل التزاحم‪،‬‬ ‫وذل الوقوف في الصفوف الطويلة للفحص الطبي‪ ،‬ثم للستجواب‪ ،‬وفحص الوراق‪ ،‬ورهبة الخوف‬ ‫الممزوج بالجوع والوهن‪ ،‬وبعد أن يفلت الصديقان من »يوم الحشر« بما يشبه التسلل والهرب‪ .‬يبدأ‬ ‫البحث عن القارب والمعارف‪ ،‬ثم الدوران في الشوارع الضيقة بحثا ? عن العمل‪ ..‬ثم الدوران في أزقة‬ ‫»أبناء العرب« يحملن الكشة ويبيعان »الصلبان الصغيرة وشارات الكتف وسبحات الصلة« بدعوى انها‬ ‫من »الرض المقدسة«‪ ،‬وينامان كل يوم في مكان‪ ،‬حتى يتاح لهما‪ ،‬بعد عذاب البحث الطويل‪ ،‬ان يسكنا‬ ‫في قبو مظلم‪ ،‬خانق في الصيف‪ .‬وتغمره المياه في الشتاء‪ ..‬فيعمل الصديقان باستمرار على ضخ‬ ‫المياه منه‪ ،‬والبرد ينخر عظامهما‪ ..‬ويسأل خالد صديقه‪» :‬هل تعتقد أنت بأن سكان العالم الجديد هم‬ ‫أفضل حال ? من أهل العالم القديم؟«‪ .‬ويعود خالد بذاكرته إلى بعلبك‪ ،‬فيقول لصديقه‪» :‬هكذا‪ ..‬من تحت‬ ‫الدلفة إلى تحت المزراب«‪ ..‬ويعود إلى سؤاله الساخر‪» :‬هل أنت متأكد بأننا أحسن حال ? هنا؟«‪.‬‬ ‫]]]‬ ‫ويوغل الراوي في تصوير حياة الصديقين ومعاناتهما في اميركا‪ ،‬من خلل نظرة تنطوي على موقف‬ ‫انتقادي خفي وعميق‪ ،‬وبلهجة من الفكاهة الناعمة والسخرية الخفيفة‪ ،‬ولكن المستمرة‪ ،‬والتي تطال‬ ‫حتى تلك »الفكار الكبيرة« نفسها التي يكرز بها خالد بهدف‪ …‬إصلح حياة البشر!‬ ‫خالد يلتهم الكتب‪ ..‬يستمع بهوس إلى خطباء مختلف الفرق »المتطرفة«‪ .‬يحاول الدخول في الحياة‬ ‫السياسية‪ ،‬دهاليزها ومعاركها‪ ..‬وهو يفتش عن الفكار الكبيرة التي تصلح حال بني النسان‪ ..‬تتأجج‬ ‫الفكار في رأسه وتعصف‪ :‬من أدنى الفكار الفوضوية صعودا ? إلى سماوات الفكر المثالي والروحانيات‪.‬‬ ‫ولكن الخيبات المعيشية والفكرية تتوالى‪.‬‬ ‫ففي أفكار خالد مثالية اخلقية ل تحتملها حتى الحزاب المعارضة في اميركا‪ ..‬فيعود بها خالد إلى‬ ‫الشرق‪ ،‬حيث يصطدم أيضا ? بمواضعات ومواصفات اجتماعية ودينية وعقائدية ل تتحمل آراءه ومواقفه‬ ‫وأفكاره الداعية إلى التغيير‪ ،‬ونشدانه المثالي للعدالة‪ ،‬فيصطدم بالسلطات الروحية وبسلطة الدولة معا?‪،‬‬ ‫فينعزل في الجبل‪.‬‬ ‫ثم يبدأ خالد برحلة تبشير إلى بعض ديار العرب‪ ،‬يدعو فيها إلى توحيد هذه البلد في دولة عظيمة تجمع‬ ‫بين منجزات الغرب العلمية التكنيكية‪ ،‬وحضارات الشرق المثالية بما يضمن‪ ،‬حسب تصورات خالد‪،‬‬ ‫العدالة لبني البشر‪ ،‬متوهما ان هذا المزج الكيميائي بين »عقل الغرب«‪) ..‬او القدرات العجائبية‬ ‫»للمليين الميركية«‪ (..‬وروح الشرق‪ ..‬ينتج امبراطورية عظيمة! على ان )الراوي(‪ ،‬في »كتاب خالد«‪،‬‬ ‫ل يخفي سخريته الناعمة والودية‪ ،‬من بعض أفكار خالد الصلحية هذه‪ ،‬الممزوجة بالكثير من الوهام‪.‬‬ ‫الرواية‪ ،‬الفكار‪ ،‬تعد‪Z‬د الصوات ولسنا هنا‪ ،‬على كل حال‪ ،‬في مجال عرض أفكار خالد في »كتاب خالد«‬ ‫ـ الذي وصفه الريحاني بأنه »رواية فلسفية اجتماعية« ـ ول في مجال مناقشتها‪ ..‬بل نحب ان نقول إن‬ ‫أمين الريحاني استطاع إيراد هذا السيل من الفكار ضمن نسيج روائي‪ ،‬متشابك‪ ،‬ومتعدد الصوات‪،‬‬ ‫طريف وساخر ومشو‪Z‬ق غالبا?‪ ،‬المر الذي يجعلنا نرى إلى روايته هذه بوصفها شكل ? متقدما ? على صعيد‬ ‫الفن الروائي‪ ،‬في تلك الفترة‪ ،‬وهذا يطرح مسألة ضرورة اعادة النظر في التقييم الفني‪ ،‬ل الفكري‬

‫فقط‪ ،‬لدب الريحاني‪.‬‬ ‫ول بد ‪ Z‬من الشارة هنا إلى أن تداخل أصوات شخصيات الرواية الثلث )خالد ـ الراوي ـ شكيب( يحمل‬ ‫في الوقت نفسه دللة على كون هذه الشخصيات الثلث‪ ،‬تصو‪Z‬ر وتمثل‪ ،‬في جوانبها الساسية‪ ،‬الحالت‬ ‫المختلفة والمتناقضة‪ ،‬لشخصية واحدة هي‪ :‬خالد )التي تحمل جوانب ـ مجرد جوانب ـ من شخصية‬ ‫الريحاني(‪ .‬وفي هذا أيضا ? دللة على القدرات التأليفية في الفن الروائي عند أمين الريحاني‪.‬‬ ‫وهو ـ في الرواية ـ يتعاطى مع فلسفات العصر ليس من موقع اليمان المطلق بتيار من تياراتها‪ ،‬بل من‬ ‫موقع الناقد المتفحص والباحث بشكل محموم عن فلسفة اجتماعية يطمئن إليها‪ ،‬ويطمئن على الخص‬ ‫إلى النسجام بين جانبي الفكر والعمل‪ ،‬والعقل والروح‪ ،‬في سلوك الخذين بهذه الفلسفة‪.‬‬ ‫من هنا نلمس‪ ،‬على مدى الرواية كلها‪ ،‬تلك الروحية النكهة والساخرة التي يتعاطى بها الريحاني ـ‬ ‫المؤلف ـ مع شخصية »خالد« بالذات‪ ،‬ومع مختلف الفكار والفلسفات والتيارات والحركات الجتماعية‬ ‫التي يمر بتجارب معها‪ ..‬فكأنه ـ في هذه المسافة‪ ،‬الفنية والفكرية التي يخلقها بين القارئ وبين‬ ‫الحداث والشخصيات والصور والفكار التي تتالى‪ ،‬وتتناقض‪ ،‬أمامه ـ كأنه‪ ،‬بهذا‪ ،‬يمارس أمتع صفات‬ ‫الديموقراطية الفنية‪ ،‬إذ يجذب القارئ إلى التفكير وإلى الختيار الحر بين الفكار والمواقف والحالت‪…‬‬ ‫وهو‪ ،‬بهذا‪ ،‬يصل إلى عقل القارئ وإلى تحريك قدرات التفكير عنده‪ ،‬عبر المتاع الفني‪.‬‬ ‫على ان الخيط الساس الذي يمر عبر كل التجارب مع هذه التيارات والفكار‪ ،‬هو‪ :‬التفتيش المحموم‬ ‫عن السبل والمناهج والنظمة والفكار التي تضمن التقدم الجتماعي والتطو‪Z‬ر العلمي لبلدان الشرق‪،‬‬ ‫التي كان يرى ان عليها ان تستعين بكل منجزات العصر العلمية والفكرية من دون ان تفقد روحها‬ ‫النساني‪ ،‬مع ضرورة ترسيخ ديموقراطية حقيقية تحترم النسان وترى فيه القيمة الساسية للمجتمع‪.‬‬ ‫هذا الهدف‪ ،‬لم ير الريحاني‪ ،‬في تلك الفترة‪ ،‬ولم ير لحقا?‪ ،‬ان نموذج الرأسمالية الميركية يمكن ان‬ ‫يوصل البلد المتخلفة إليه‪ .‬وفي ظني ان »كتاب خالد« ـ كنوع أدبي مركب ـ ل يزال يطرح علينا‪ ،‬وعلى‬ ‫الرواية العربية‪ ،‬اسئلته الفنية والفكرية معا?‪ ،‬حتى يومنا هذا‪…‬‬ ‫)]( صدرت رواية »كتاب خالد« بالعربية عام ‪ 1986‬ـ ترجمها عن النكليزية د‪ .‬أســعد ر ‪Z‬زوق ـ صدرت‬ ‫عن المؤسسة العربية للنشر )مع رســوم داخلــية وضعــها خصيــصا ? للرواية‪ :‬جبران خليل جبران‪ ،‬عام‬ ‫‪.(1911‬‬

Filed under project-khalid