Press archive print
'The Book of Khalid' and the Art of Narrative in Ameen Rihani
«كتاب خالد» وفن القص عند أمين الريحاني
Print clipping, pages 61-65 of the scanned clippings PDF
قبل مئة عام ،اصدر أمين الريحاني كتابا ? مدهشا? ،يندرج في عداد البدايات الروائية الطليعية في الدب العربي الحديث ـ بعنوان »كتاب خالد« ـ الوساط الثقافية عندنا ،وفي عدد من بلدان العالم ،تحتفل بمئوية هذا الكتاب الريادي. أرجو لهذه المقالة ان تشكل نوعا ? من السهام في قراءة راهنة لهذه الرواية/الكتاب ،فتحاول ان ترى إلى ريادية الريحاني في هذا النجاز الريادى ،فنيا ? وفكريا ? ورؤيويا? ،في مسيرة الثقافة العربية الحديثة، قبل مئة عام من يومنا هذا …كلمة تمهيدية لعل عنوان »البدايات الروائية« هو التعبير النقدي الصح، واقعيا ? وتاريخيا ? وموضوعيا? ،وبالتأكيد فنيا? ،لتوصيف المسألة /الشكال :مسألة )الريادة( في الرواية العربية! ? ففي يقيني ان النقد الدبي العربي يكون أكثر انسجاما مع حداثته إذا تخلى عن مثل هذه التحديدات الحاسمة) :ـ أول رواية عربية! ـ أو :أول قصيدة عربية حديثة!ـ أو :أول مسرحية عربية! الخ… (..ذلك ان حركة تكوZن نوع أدبي فني ما ،وتكامل هذا النوع الدبي /الفني في عمل محدد او ـ غالبا ? ـ في عدة اعمال ،وصول ? إلى تمي Zزه كنوع جديد ،مختلف …إنما تسير إلى التشكل في سياق )عملية( تطول او تقصر زمنيا ? ،ولكنها عملية متعددة السهامات ،متنوعة ،متفاعلة ،تتجاذبها التقاليد والنواع الدبية المتواجدة ،ولكنها تنجذب إلى جديدها واستقلليتها وتكاملها ،استجابة لضرورات العصر والمستقبل، وإسهاما ? في رسم معالمه أيضا? …وقد ل ينفصل النوع الدبي الجديد هذا ،في حركة تكامله وتمايزه ،عن القول الجديد الذي يحمله ..قول يتصف هو أيضا? ،وغالبا? ،بطابع ريادي ،تقدمي. ولعل هذه الفقرة التمهيدية الولى ،كان ل بد منها على عتبة الحديث عن كتاب »روائي« ،إشكالي، ومتميZز هو من جملة العمال الروائية الريادية الولى في الدب العربي الحديث. رواية الريحاني تطرح أسئلتها »كتاب خالد« ،العمل »الروائي« الول لمين الريحاني ،يطرح سؤاله الفني على العمال القصصية الروائية الخرى للريحاني نفسه ،وعلى الروايات العربية التي ظهرت في زمنه ذاك ،وكذلك على النقد الدبي العربي في يومنا هذا… ]]] فعندما أخذ الريحاني يكتب بعض القصص ـ في أوائل هذا القرن ـ لم يكن يهدف إلى اقامة بناء قصصي فني بقدر ما كان يهدف إلى ايصال أفكاره وآرائه ،في عدد من قضايا عصره ،إلى ناس زمانه ،فاختلط
عنده شكل القصة بشكل المقالة ،هكذا كان أيضا ? شأن الخرين من كتZاب زمانه :سليم البستاني ،مثل?، وفرح انطون ،ونقول حداد ،ويعقوب صروف ،وحتى قصص جبران اللهبة لم تسلم من هذا الترسل الوعظي الذي يضع هذه الكتابة على التخوم بين القصة والمقالة كوسيلة مرغوبة لعلن الفكار الصلحية ،متحمس ينثر مواعظه على العالمين. »قصص« الريحاني ،إذن ،هي بنت ذلك الزمن ،من حيث الطريقة والسلوب ،ولكنها تحمل قيمة تاريخية .روايته التي قيل انها روايته الولى» ،زنبقة الغور« ،الصادرة بالعربية عام ،1915هي الرجاء، أجواؤها متنوعة جدا ? ،وأحداثها الكثيرة لم تقتصر على بلد واحد ،بل كان مسرحها العالم الوسع :تبدأ في الناصرة بفلسطين ،ثم طبريا فحيفا ،وبعدها تنتقل الحداث إلى القاهرة وإلى باريس ،وإلى لبنان ،ثم إلى عكا ،فالناصرة وبحيرة طبريا من جديد .هيكل الرواية :أحداث مأساوية ناتجة عن استسلم امرأة لرجل بدون زواج .غدر الرجل بها .تشردت المرأة وتاليا ? طفلتها في انحاء الرض .وكذلك طفل طفلتها الذي جاء ،هو أيضا ،نتيجة غدر رجل آخر ـ أحداث الرواية هذه متشابكة بشكل مشوZق بحيث يتابعها القارئ بلهفة رغم تلك الصفحات الكثيرة التي يقطع بها الريحاني الحداث ،ليعلZق عليها وليكرز بآرائه في الكون والحياة. ? نستطيع القول إن الريحاني قد تأثر هنا كثيرا بروايات هيغو ودوماس وغيرهما من الروائيين الرومنتيكيين الذي تتشابك الحداث في رواياتهم وتتعقد وتتسع بهذا الشكل الرحيب ،كما ان تلك الصفحات التي يصوZر فيها الريحاني البؤس الرهيب والتدني المريع في معيشة الناس القاطنين حول بحيرة طبريا، تذكرنا بأجواء هيغو في »البؤساء« .ولعل فضل »زنبقة الغور« أنها أسهمت في انتقال أدبنا الروائي من اشكال المقامات والسجع التقليدي ،ومهZدت الطريق أمام أدب روائي عربي اكثر دخول ? في العصر من حيث البناء الفني الحديث. بعد »زنبقة الغور« اصدر الريحاني )عام (1917رواية »جهان ،او خارج الحريم« ،أحداثها تدور في تركيا اثناء الحرب العالمية الولى .أجواء الدسائس والتجسس والمؤامرات والفساد ،وعنصرية الضباط اللمان ،وأصوات الحرية خافتة ،ولكنها ملحاحة وسط فوضى الصراع المحتدم. وكان قد أصدر عام ،1909مجموعة أقاصيص »سجل التوبة« ،أحداثها مأخوذة من التاريخ القديم وتاريخ تركيا أيام السلطان عبد الحميد .وفيها يصوغ الريحاني الكثير من آرائه في الحرية والطغيان ،وإدانته للسيطرة التركية ،واستشرافه مستقبل العرب في الحرية والستقلل. قصص الريحاني هذه قد ل تطرح من القضايا »الفنية« ما يختلف عن قصص وروايات ذلك الزمان: اختلط بين شكل القصة وشكل المقالة ،ودور يمهZد للدخول في مرحلة الرواية العربية الحديثة .دخول مبكر في الحداثة الروائية ولكن رواية الريحاني التي جعل عنوانها »كتاب خالد« تختلف ،ربما جذريا? ،عن أعماله الروائية والقصصية هذه ،وكذلك عن العديد من روايات الكتZاب العرب الخرين المعروفة في ذلك الزمان ..فرغم أن رواية »كتاب خالد« صدرت عام ) 1911أي :قبل رواية »زنبقة الغور« بأربع سنوات، وكذلك قبل الرواية التي اعتبرها النقد الدبي العربي »الرواية العربية الولى« ،نعني رواية »زينب« لمحمد حسين هيكل ،الصادرة عام (1914فإن رواية الريحاني هذه متقدمة فنيا ? وفكريا ? سنوات كثيرة إلى المام. ? والمعروف ان رواية »كتاب خالد« كتبت أساسا باللغة النكليزية ..فهل توجهه إلى القارئ الميركي مارس تأثيرا ? ما في صياغة هذه الرواية وفي تشكيلها الفني؟ ..ام ان القضايا الفكرية والروحية التي تحملها الرواية هي في أساس نسيجها التركيبي المتشابك ،والتقدم النسبي في بنائها الفني؟ ثم ،هل عدم صدورها بالعربية أساسا? ،وانها لم تنقل إلى اللغة العربية إل بعد 75عاما ? من صدورها الول )]( رغم ان أحداثها تتناول الواقع العربي في ذلك الزمان ،وان مؤلفها هو من الرواد الدعاة إلى الوحدة العربية منذ أوائل القرن العشرين ..هل هذه السباب هي في أساس عدم إدراج هذه الرواية في السياق الريادي الطليعي للرواية العربية؟ اسئلة كثيرة يطرحها على النقد الدبي العربي واقع المستوى المتقد Zم لهذه الرواية ،المتجاوزة لزمان صدورها ،وواقع القضايا الفكرية الجتماعية المتقدZمة التي تحملها هذه الرواية الرائدة! التعر ف على بعض هذه السئلة ،عبر التعرف على الرواية :شخصياتها ،وأفكارها، Z ولكن ،لنحاول وأحداثها ،وبناؤها التركيبي. من هو »خالد« ،وما هو نوع »روايته«؟ نستطيع القول ،بداية ،ان هذا الكتاب هو القاعدة الفنية والفكرية التي نهض فوقها كتابان متميزان في
تاريخ أدبنا العربي ،صدرا أول ? بالنكليزية أيضا? ،هما :كتاب »النبي« لجبران خليل جبران ،وكتاب »مرداد« لميخائيل نعيمة .وليست تهمنا هنا المفاضلة بين هذه الكتب القيمة الثلثة ،وأيZهما الجمل والهم …ولكن م تعاليم وتطلعات باتجاه ما تشترك فيه هذه الكتب هو تلك اللهجة الفلسفية النبوية ،ولكون كل منها يض Z نوع من الفكار في إصلح حال البشرية جمعاء ،وتحلم بنوع من العالم الفضل او »المدينة الفاضلة«. على أن »كتاب خالد« يتميZز عن هذين الكتابين بأنه ،إلى هذا ،يضم نوعا ? من السيرة الذاتية لهذا الكاتب/ المصلح ،الذي يطلق عليه الريحاني اسم »خالد« ،في حين انه يشكل الصورة الروائية لجوانب من مسيرة الريحاني نفسه وتجارب حياته بين لبنان واميركا والبلد العربية ،مع تركيز واضح على )الفكار والراء والتعاليم( ،بحيث يصير هذا الكتاب نوعا ? من السيرة الذاتية لفكر الريحاني وأيضا للفكر النهضوي العربي حتى فترة كتابة الكتاب …ويرسم الريحاني ،هنا ،ملمح من صورة الشرق والغرب ،على صعيد أنماط الحياة والفكر والفن ،وعلقات التوافق والتناقض والتنافر بين هذين العالمين. ]]] عندما صدر »كتاب خالد« بالنكليزية ،عام ،1911أحدث ضجة أدبية فكرية واسعة في عدد من الصحف الميركية والعربية على السواء ،وأثار اهتماما ? جديا ? في النقد الدبي ،نظرا ? لما يشكله من نوع أدبي/ فكري مختلف ،وله جاذبية خاصة نابعة من هذا المزج التناقضي بين صورة الشرق وصورة الغرب ،بقلم أديب شرقي اكتسب خبرة ومعاناة لنماط الحياة في هذين العالمين .وأثار الكتاب في حينه ،وربما الن أيضا? ،العديد من القضايا النقدية والفكرية. من هذه القضايا ،مثل :مسألة النوع الدبي الذي ينتسب إليه »كتاب خالد« هذا ـ فهل هو )رواية(؟ ..ام هو )سيرة ذاتية( للمؤلف؟ ..ام هو مجرد )إطار قصصي( اتخذه المؤلف ذريعة لعرض آرائه ومواقفه بصدد النظمة الجتماعية ،ومستقبل البشر ،وقضايا الحرية والتقدم ،والمقارنة بين أنماط الحياة والفكر والفن في الشرق وفي الغرب؟ ام هو نوع من )الجمع التأليفي( بين هذه النواع الثقافية /البداعية الثلثة كلها؟.. فإذا أردنا ان نتفحص مدى انتساب هذا الكتاب إلى النوع الروائي ،فليس يصح مطلقا ان نقارن »كتاب خالد« ـ الصادر عام 1911ـ بما صار إليه فن الرواية العربية اليوم ..بل من الضروري ،اول? ،ان نقارن هذا الكتاب بما كان عليه حال »الرواية العربية« في زمن صدور الكتاب نفسه ،فنرى مدى الجديد الذي حمله إلى النوع الدبي الذي ينتسب إليه. في هذا الطار ،نستطيع القول :إن »كتاب خالد« اقرب إلى النوع الروائي منه إلى أي نوع أدبي آخر… بل نستطيع ان نذهب إلى أبعد من هذا فنرى :ان الفن الروائي في »كتاب خالد« ليس من النوع السردي البسيط ،حسب أساليب الروايات العربية في تلك الفترة ،بل هو يتخذ ذلك الشكل التركيبي المعقد القرب إلى ما يوصف بالحداثة في الرواية العربية المعاصرة .تعدد الصوات فالمسار الروائي، في »كتاب خالد« ،يمر عبر ثلثة أصوات لثلث شخصيات )هي :الراوي ،ثم :خالد نفسه ،وصديقه: شكيب( ..وهذه الصوات ل تتناوب القص ،كأن يروي كل منها فصل ? او حادثة ،بل هي تتداخل في مختلف الفصول ،بحيث يرى القارئ إلى الحادثة الواحدة ،أحيانا? ،من زوايا مختلفة ومن خلل عيني كل من هذه الشخصيات. وهذا التعدد في الصوات ،والتداخل بينها ،واختلف زوايا النظر إلى الحداث والناس والفكار ،يمتد على مدى الرواية كلها. ]]] يقول لنا الراوي ،في مطلع الكتاب ،إنه عثر في المكتبة الخيديوية بالقاهرة على مخطوطة كتاب يقول كاتبه ان اسمه »خالد« وهذه المخطوطة مثيرة للفضول بحيث يعمل الراوي على نسخها كاملة ،ليعرف منها حياة كاتبها خالد وأسراره. ثم يفهم الراوي ،من أحاديث بعض الناس ،ان »خالد« هذا هو شخص حقيقي موجود ،وهم يلقبونه بـ»النبي« ويقولون :إن رجال »تركيا الفتاة« يلحقونه ..ثم يقولون له :إذا أردت ان تعرف المزيد من أخبار خالد ومكان وجوده ،فاسأل صديقه الحميم جدا ? وتلميذه الذي اسمه »شكيب«. يعثر الراوي على شكيب هذا ،فيجده حزينا ? جدا? ،ويخبره ان صديقه الحميم خالد »قد اختفى بصورة غامضة تكتنفها السرار« ،ثم يخبره بأنه انتهى لتوZه من وضع مخطوطة عن حياة معلمه خالد ووصف أخلقه وطباعه ومزاياه وأحلمه ،وقد اطلق على المخطوطة اسم »التاريخ الحميم« ،وهو يضع هذه المخطوطة بين يديه ،لتذهب عبره إلى اوروبا والعالم» :ينبغي على اوروبا ان تعرف خالد معرفة
أفضل.«.. …وهكذا ،يعمد الراوي إلى حياكة نسيج روائي ،متشابك ،يأخذ بعض خيوطه من )مخطوطة خالد(، وبعضها من )مخطوطة شكيب( ،وبعضها من مشاهدات واختبارات الراوي نفسه ،ومن تعليقات شكيب، وذلك في سياق من السرد المركب ،يسوق إلينا الراوي ،عبر هذا النسيج الشبكي ـ وفي أشكال من التشويق ،والسخرية ،والقفز السريع بين الواقع والخيال ،السرد والفانتازيا ـ أحداث حياة خالد وأفكاره وأحلمه معا?: التغرب ،إلى الهجرة برفقة Z خالد ،فتى لبناني من مدينة بعلبك ،تدفعه الحاجة والمشاكل العائلية ،وهوس صديقه شكيب إلى اميركا التي يقال إنها »فردوس الناس المهاجرين« ـ كأن هذا في زمان ما قبل العام 1911ـ وخلل المسيرة نحو اميركا ،يتكش Zف المر ،تدريجيا? ،عن ان هذا الفردوس ليس فردوسا?.. فالصديقان يعانيان صعوبات الذل والهانة والجوع أحيانا ? وهما ،بعد ،في الطريق إلى» …الرض الجديدة«. وفي »الرض الجديدة« هذه ،تبدأ المعاناة الحقيقية. امام مرفأ نيويورك ،خالد يتساءل» :أهذا هو باب الفردوس ،ام المرفأ التابع لمدينة دنيوية تحرسها الشياطين؟« ..ومن المرفأ إلى الدخول في »يوم الحشر« بين اللف المؤلفة من المهاجرين الفقراء المرضى التائهين اللجئين إلى هذا »الفردوس« من مختلف انحاء الرض ..يعاني الصديقان ذل التزاحم، وذل الوقوف في الصفوف الطويلة للفحص الطبي ،ثم للستجواب ،وفحص الوراق ،ورهبة الخوف الممزوج بالجوع والوهن ،وبعد أن يفلت الصديقان من »يوم الحشر« بما يشبه التسلل والهرب .يبدأ البحث عن القارب والمعارف ،ثم الدوران في الشوارع الضيقة بحثا ? عن العمل ..ثم الدوران في أزقة »أبناء العرب« يحملن الكشة ويبيعان »الصلبان الصغيرة وشارات الكتف وسبحات الصلة« بدعوى انها من »الرض المقدسة« ،وينامان كل يوم في مكان ،حتى يتاح لهما ،بعد عذاب البحث الطويل ،ان يسكنا في قبو مظلم ،خانق في الصيف .وتغمره المياه في الشتاء ..فيعمل الصديقان باستمرار على ضخ المياه منه ،والبرد ينخر عظامهما ..ويسأل خالد صديقه» :هل تعتقد أنت بأن سكان العالم الجديد هم أفضل حال ? من أهل العالم القديم؟« .ويعود خالد بذاكرته إلى بعلبك ،فيقول لصديقه» :هكذا ..من تحت الدلفة إلى تحت المزراب« ..ويعود إلى سؤاله الساخر» :هل أنت متأكد بأننا أحسن حال ? هنا؟«. ]]] ويوغل الراوي في تصوير حياة الصديقين ومعاناتهما في اميركا ،من خلل نظرة تنطوي على موقف انتقادي خفي وعميق ،وبلهجة من الفكاهة الناعمة والسخرية الخفيفة ،ولكن المستمرة ،والتي تطال حتى تلك »الفكار الكبيرة« نفسها التي يكرز بها خالد بهدف …إصلح حياة البشر! خالد يلتهم الكتب ..يستمع بهوس إلى خطباء مختلف الفرق »المتطرفة« .يحاول الدخول في الحياة السياسية ،دهاليزها ومعاركها ..وهو يفتش عن الفكار الكبيرة التي تصلح حال بني النسان ..تتأجج الفكار في رأسه وتعصف :من أدنى الفكار الفوضوية صعودا ? إلى سماوات الفكر المثالي والروحانيات. ولكن الخيبات المعيشية والفكرية تتوالى. ففي أفكار خالد مثالية اخلقية ل تحتملها حتى الحزاب المعارضة في اميركا ..فيعود بها خالد إلى الشرق ،حيث يصطدم أيضا ? بمواضعات ومواصفات اجتماعية ودينية وعقائدية ل تتحمل آراءه ومواقفه وأفكاره الداعية إلى التغيير ،ونشدانه المثالي للعدالة ،فيصطدم بالسلطات الروحية وبسلطة الدولة معا?، فينعزل في الجبل. ثم يبدأ خالد برحلة تبشير إلى بعض ديار العرب ،يدعو فيها إلى توحيد هذه البلد في دولة عظيمة تجمع بين منجزات الغرب العلمية التكنيكية ،وحضارات الشرق المثالية بما يضمن ،حسب تصورات خالد، العدالة لبني البشر ،متوهما ان هذا المزج الكيميائي بين »عقل الغرب«) ..او القدرات العجائبية »للمليين الميركية« (..وروح الشرق ..ينتج امبراطورية عظيمة! على ان )الراوي( ،في »كتاب خالد«، ل يخفي سخريته الناعمة والودية ،من بعض أفكار خالد الصلحية هذه ،الممزوجة بالكثير من الوهام. الرواية ،الفكار ،تعدZد الصوات ولسنا هنا ،على كل حال ،في مجال عرض أفكار خالد في »كتاب خالد« ـ الذي وصفه الريحاني بأنه »رواية فلسفية اجتماعية« ـ ول في مجال مناقشتها ..بل نحب ان نقول إن أمين الريحاني استطاع إيراد هذا السيل من الفكار ضمن نسيج روائي ،متشابك ،ومتعدد الصوات، طريف وساخر ومشوZق غالبا? ،المر الذي يجعلنا نرى إلى روايته هذه بوصفها شكل ? متقدما ? على صعيد الفن الروائي ،في تلك الفترة ،وهذا يطرح مسألة ضرورة اعادة النظر في التقييم الفني ،ل الفكري
فقط ،لدب الريحاني. ول بد Zمن الشارة هنا إلى أن تداخل أصوات شخصيات الرواية الثلث )خالد ـ الراوي ـ شكيب( يحمل في الوقت نفسه دللة على كون هذه الشخصيات الثلث ،تصوZر وتمثل ،في جوانبها الساسية ،الحالت المختلفة والمتناقضة ،لشخصية واحدة هي :خالد )التي تحمل جوانب ـ مجرد جوانب ـ من شخصية الريحاني( .وفي هذا أيضا ? دللة على القدرات التأليفية في الفن الروائي عند أمين الريحاني. وهو ـ في الرواية ـ يتعاطى مع فلسفات العصر ليس من موقع اليمان المطلق بتيار من تياراتها ،بل من موقع الناقد المتفحص والباحث بشكل محموم عن فلسفة اجتماعية يطمئن إليها ،ويطمئن على الخص إلى النسجام بين جانبي الفكر والعمل ،والعقل والروح ،في سلوك الخذين بهذه الفلسفة. من هنا نلمس ،على مدى الرواية كلها ،تلك الروحية النكهة والساخرة التي يتعاطى بها الريحاني ـ المؤلف ـ مع شخصية »خالد« بالذات ،ومع مختلف الفكار والفلسفات والتيارات والحركات الجتماعية التي يمر بتجارب معها ..فكأنه ـ في هذه المسافة ،الفنية والفكرية التي يخلقها بين القارئ وبين الحداث والشخصيات والصور والفكار التي تتالى ،وتتناقض ،أمامه ـ كأنه ،بهذا ،يمارس أمتع صفات الديموقراطية الفنية ،إذ يجذب القارئ إلى التفكير وإلى الختيار الحر بين الفكار والمواقف والحالت… وهو ،بهذا ،يصل إلى عقل القارئ وإلى تحريك قدرات التفكير عنده ،عبر المتاع الفني. على ان الخيط الساس الذي يمر عبر كل التجارب مع هذه التيارات والفكار ،هو :التفتيش المحموم عن السبل والمناهج والنظمة والفكار التي تضمن التقدم الجتماعي والتطوZر العلمي لبلدان الشرق، التي كان يرى ان عليها ان تستعين بكل منجزات العصر العلمية والفكرية من دون ان تفقد روحها النساني ،مع ضرورة ترسيخ ديموقراطية حقيقية تحترم النسان وترى فيه القيمة الساسية للمجتمع. هذا الهدف ،لم ير الريحاني ،في تلك الفترة ،ولم ير لحقا? ،ان نموذج الرأسمالية الميركية يمكن ان يوصل البلد المتخلفة إليه .وفي ظني ان »كتاب خالد« ـ كنوع أدبي مركب ـ ل يزال يطرح علينا ،وعلى الرواية العربية ،اسئلته الفنية والفكرية معا? ،حتى يومنا هذا… )]( صدرت رواية »كتاب خالد« بالعربية عام 1986ـ ترجمها عن النكليزية د .أســعد ر Zزوق ـ صدرت عن المؤسسة العربية للنشر )مع رســوم داخلــية وضعــها خصيــصا ? للرواية :جبران خليل جبران ،عام .(1911
Filed under project-khalid