Press archive print

Ameen Rihani: A True Levantine and the First Arab-American Writer

أمين الريحاني: المشرقي الحق وأول كاتب عربي أميركي

As-Safir السفير · date not stated
No online copy of this item is known.

Print clipping, pages 47-50 of the scanned clippings PDF

‫أمين الريحاني‪ :‬المشرقي الحق وأول كاتب عربي وأميركي‬ ‫امينة غصن‬ ‫هي فردية أمين الريحاني في »كتاب خالد« ‪ 1911‬التي عانت صراعات الشرق والغرب‪ ،‬وبتجاوز‬ ‫الفوات الحضاري للنرجسية العربية المجروحة‪ ،‬جاءت »بشبهة نبوية » استلهمتها من ملحمة إله‬ ‫مي بـ»سيد البردى« ومقرر الخلود والفناء‪.‬‬ ‫س ‪Z‬‬ ‫الشمس‪ ،‬وهرميس المثلث العظمة‪ ،‬وسجلت توت الذي ‪h‬‬ ‫فكتاب خالد ومنذ مئة عام ه ‪Z‬ز ركود المستنقعات وأطلق ينابيع الفكر‪ ،‬والدعوة الى العلمانية‪ ،‬وتوحيد‬ ‫الديان‪.‬‬ ‫فاعتقاد المرء أنه عاجز عن تأويل الحقيقة أو مساءلتها‪ ،‬هو مصدر كل خضوع ورهبة وقمع‪ ،‬لن الحية‬ ‫التي ل تستطيع أن تغير جلدها تهلك‪ .‬أما المفكر الذي يرفض القمع‪ ،‬ويرفض أن يخون دوره‪ ،‬فهو كمثل‬ ‫أمين الريحاني يعود إلى البدايات‪ ،‬وإلى المكبوت والمحجوب‪ ،‬خشية ان يؤسس لحداثة بغير جذور‪ .‬من‬ ‫هذه الشرفة نبع اهتمامه بالغيب‪ ،‬وبالنسان الذي ينتمي إلى الزل وليس إلى الزمن‪ .‬كما قال »خالد«‬ ‫الذي لم يكن بوسعه أن يفكر بل ان يحلم ببناء امبراطورية عظمى تلتقي فيها روح الشرق بعقل‬ ‫الغرب‪ ،‬وتستعيد سير أبطال الجزيرة العربية‪ :‬عنترة والمام علي وهارون الرشيد كم نحتاج لصلح‬ ‫الدين من جديد‪.‬‬ ‫فالريحاني أك ‪Z‬د في »كتاب خالد« أن الهوية العربية غير مستلبة‪ ،‬بل مقموعة‪ ،‬ومستبد بها‪ .‬فهو في‬ ‫الغرب وجه نقده لحضارة مادية غير إنسانية كما انتقد تخلف الشرق الذي ينتظر نهضة عارمة تعيد اليه‬ ‫ألق ماضيه ورجالته‪ .‬فهو في »كتاب خالد« ينفي صفة المثال عن الغرب‪ ،‬كما ينفي صفة التخلف‬ ‫القدري عن الشرق‪ .‬فالغرب عند الريحاني هو المرآة التي تعكس هويتنا‪ ،‬لن الغرب كما يقول محمد‬ ‫زفزاف هو الشطر الخر من الذات الذي ل نستطيع أن نتخلص منه‪ ،‬ذلك أن أكثر الناس سلفية‬ ‫وأصولية هم ايضا ? منغمسون بتفكيرهم بالغرب‪ ،‬رغم عدائهم الكبير لهذا الغرب الذي يعجزون عن‬ ‫الفرار منه‪.‬‬ ‫فالريحاني إذ وقع على مخطوطة المكتبة الخديوية‪ ،‬كلف نفسه بكتابة »خالد« لعلنا نقرأ في »ثقوب‬ ‫النصوص« وفي ديانات لنا أوغلت في تليد من ثمانية ألف عام كالهرمسية‪ ،‬والسومرية‪ ،‬والبابلية‪ ،‬وما‬ ‫تفرع عنها من علم اللهوت‪ ،‬وقوانين التعاقب‪ ،‬والتراكم‪ ،‬بعيدا ? عن »ذهنية التكفير أو التحريم«‪ .‬فهذا‬ ‫العائد بعد مئة عام حامل ? »كتاب خالد« وممتطيا ? صهوات النهضة العربية‪ ،‬بتعددية تعبيرية لم يخفت فيها‬ ‫ألقه الريادي ولو أن الريادة نفسها أعلنت أن مسارها صار إلى أفول ورد‪Z‬ة‪ .‬فبعض السائلين سيرى انه‬ ‫من الهجنة‪ ،‬إثارة موضوع النهضة في هذا الوقت بالذات إل أن السئلة تبقى غير مبررة‪ ،‬ما دام هناك‪،‬‬

‫من يزال يؤمن بأن أمين الريحاني‪ ،‬الذي كما »فاوست« غوته )‪ ،(1832-1749‬باع روحه لشيطان‬ ‫الغرب‪ ،‬وأعلن وحشة العيش في أنظمة العالم الثالث المتخم بنزاعاته الطائفية والمذهبية المتعددة‬ ‫النحل والملل‪.‬‬ ‫فالحداثة والعلمانية اللتان رفع لواءهما الريحاني يجعلن القارئ يسأل‪ :‬إلى أي مدى ف›قه محمد عبده‬ ‫معاني الحداثة والعلمانية اللتين حظ‪œ‬ر من خطرهما على الدين؟ وهل قالت الحداثة أو العلمانية بهجر‬ ‫الديان أو نقضها أو تدميرها؟ وهل شعار »الدين لله والوطن للجميع« يهدد المة وناشئتها؟ فما قاله‬ ‫محمد عبده ل يفيد غير تمويه نهضة محمد علي المصرية والتحديثية التي تمركزت حول الدولة والدارة‬ ‫والحقوق‪ .‬من هنا فإن الحداثة التي أوجدها محمد علي لم تكن مقر عزلة‪ ،‬بل موطن تواصل مع‬ ‫منجزات العلم وثوراته‪ .‬وهذا ما جعل النجازات الجنبية ومفراداتها تزاحم اللغة العربية وضآلة مفرداتها‬ ‫على ما قال احمد فارس الشدياق )‪1804‬ـ ‪» :(1887‬ل بد من الستعانة بكلم الجانب وإن أدى ذلك‬ ‫إلى حطتين«‪.‬‬ ‫فالنزعة التي تقدس الفرد دون سواه من جماعات دينية أو طبيعية‪ ،‬تردنا إلى اهتمام الريحاني الواسع‬ ‫بالمذهب التحرري الذي يعتبر أن الفرد أو »النا« هو كائن غير مقي‪œ‬د‪ .‬فقيمة الفرد عنده أعلى من قيمة‬ ‫المؤسسات‪ ،‬لنه الغاية التي من أجلها وجدت المؤسسات‪ .‬فالفردية عنده هي ضد المتثالية التي‬ ‫تفرضها المؤسسات دون اعتبار لحرية الفرد أو رغبته في توكيد ذاته‪ ،‬وفي مغايرته للخرين‪.‬‬ ‫أما تقديس الفردية‪ ،‬كما يراها الريحاني‪ ،‬فتتجسد بمبدأين‪ :‬قبول الديموقراطية الليبرالية وإعطاء‬ ‫الحرية الشخصية أهمية قصوى‪ ،‬بعيدا ? عن التطرف الذي يوصل إلى الفاشية أو الديكتاتورية أو‬ ‫الفوضوية‪ .‬فالفردية فكرة قالت بها الرواقية والبيقورية والكلبية من المدارس التي ركزت اهتمامها‬ ‫على الفرد‪ ،‬وتحريره من هيمنة القطاعين السياسي والديني‪ ،‬وهذا ما قال فيه فريدريك نيتشه‪:‬‬ ‫»يكفي أن تكون إنسانا ? لتكون لك بالضرورة فلسفة خاصة«‪.‬‬ ‫فأمين الريحاني مذ توزعت كتاباته بين المقال‪ ،‬والرسالة‪ ،‬والمسرح‪ ،‬والقصة‪ ،‬والرواية‪ ،‬والشعر‪ ،‬عاد‬ ‫بهذه الكتابات »إلى الدرجة الصفر«‪ ،‬التي جعلها رولن بارت عنوانا ? لكتابه في العام ‪ ،1957‬لعله يمحو‬ ‫من ذاكرته كل ذاكرة أولى‪ ،‬يمكنها أن تستبد به‪.‬‬ ‫ولقد أوضح الريحاني أن الذين يقودون مجتمعات اليوم صاروا من علماء الفيزياء‪ ،‬والذرة‪ ،‬والقتصاد‪،‬‬ ‫لن رجل الدين لم يعد يتمتع بأية سلطة‪ ،‬أو عصمة‪ ،‬لن العالم في مختبره‪ ،‬لم يعد معنيا ? بفتاوى تحول‬ ‫بينه وبين كشوفاته‪.‬‬ ‫في خضم هذه الصراعات بين الدين والعلمانية‪ ،‬اختار أمين الريحاني أن يكون له أسلوبه الخاص به‬ ‫وطريقته في التفكير‪ ،‬إذ نظر إلى قابلية النسان في تغيير نفسه‪ ،‬في محيط آسن ل يتغير‪ .‬أما عن‬ ‫هذه القابلية في التغيير‪ ،‬فلم ير إليها الريحاني في النضمام إلى الحزب الشيوعي أو اللحاد أو الكفر‬ ‫بل في »اللإنتماء« الذي اعتبره »هيس« أعلى أشكال الحياة التي عرفتها الحضارات‪ ،‬لنه يأتي‬ ‫بالدرجة الثانية بعد النبوة‪ ،‬وهو الذي اعتقد نيتشه أن صاحبه بلغ نصف الطريق نحو »السوبرمان أو‬ ‫النسان المتفوق«‪.‬‬ ‫لذا يمكن القول في كتابات أمين الريحاني الفكرية والفلسفية والسياسية‪ ،‬أنها كانت تاريخا ? روحيا ?‬ ‫لحياته‪ ،‬وتجاربه‪ ،‬هو من كان يقتطف من النجيل‪ ،‬والقرآن‪ ،‬والزرادشتية‪ ،‬وأفلطون‪ ،‬وماركس‪،‬‬ ‫وداروين‪ ،‬وروسو‪ ،‬وفولتير‪ ،‬ولربما كان ذاك التراكم ليميز رؤياه للعنة التي تنزلت على بيزنطية‬ ‫وانسحبت عليه مأساة فردية كانت في عنفها أشد مرارة من أي اندحار شعبي‪.‬‬ ‫فهو إذ دعا إلى العلمانية‪ ،‬ظن إنسانه المشرقي‪ ،‬أن العلمانية عقيدة بديلة من الدين‪ ،‬تنافسه لتسحقه‪.‬‬ ‫فإن إشاعة الحياة المدنية في مجتمع طائفي‪ ،‬ل تعني ابدا ? إعدام الدين‪ ،‬بل إعدام طوائفه‪ ،‬على ما‬ ‫ل فيها الدين‪ .‬فالدين حاجة روحية وأخلقية‪،‬‬ ‫يقول جبران خليل جبران‪ :‬ويل لمة كثرت فيها طوائفها وق ‪Z‬‬ ‫أما الطائفية فهي تسييس للدين‪ ،‬وتأميم له‪ .‬وفي هذا قال الباحث هشام شرابي‪ :‬نشأت الحركة‬ ‫العلمانية نشوءا خاطئا في الشرق‪ ،‬فكأنما كتب علينا أن نستورد من الغرب المشكلة والحل معا?‪،‬‬ ‫فالعلمانية ليست من صنع المجتمع السلمي‪ ،‬والخذ بها يعني معاداة السلم الذي يجب أن يكون دين‬ ‫»الدولة« حتى ولو تعددت الديان‪.‬‬ ‫أمين الريحاني في رسالة إلى الله‪:‬‬ ‫مي التوحيد‪ ،‬أو جاء بعده‪،‬‬ ‫‪Z‬‬ ‫س‬ ‫ما‬ ‫سبق‬ ‫دين‪،‬‬ ‫كل‬ ‫وتكفيره‬ ‫لحاديته‪،‬‬ ‫بالعصيان‪،‬‬ ‫هذا القهر‪ ،‬دائما ? ما ترافق‬

‫ولو ان الديان تبقى برأي مرسيا إلياد اعتباطية بمقدار ما هي تعسفية‪ .‬هذا هو الموقف الذي عبر عنه‬ ‫ضمنها »كتاب خالد« وجاء فيها‪:‬‬ ‫امين الريحاني في »رسالة إلى الله« ‪œ‬‬ ‫»عبثا ? طلبتك في أديان الناس‬ ‫عبثا ? بحثت عنك في سرادب عقائد الناس‬ ‫ولكني لقيت في كتب العالم المقدسة‬ ‫بعض آثار سماوية طامسة‬ ‫فلقد توضح لي حرف ساكن من اسمك في »الفيدا«‪ ،‬وحرف في »الزند آفستا«‪ ،‬وحرف في النجيل‪،‬‬ ‫وحرف في القرآن‪ .‬كل أمة من أمم الرض أدركت حرفا • من هذا الطلسم العظيم«‪.‬‬ ‫واللفت للنتباه‪ ،‬إلى أي مدى تتعانق أديان الريحاني إذ ترد إلى أصولها التي يصر الريحاني على‬ ‫ابتعاثها من إغفاءاتها في »أوراق البردى« التي خلفها الكاتب الفرعوني آمون‪ /‬رع‪ ،‬لتلهم »خالد«‬ ‫القائل‪ :‬ل شيء في هذا العمل من عندنا‪ ،‬باستثناء النول‪ ،‬والخليط الشاق الذي تتألف منه المادة‪.‬‬ ‫هذا التاريخ الموغل في القدم‪ ،‬تحول إلى لعبة أقنعة فرعونية‪ ،‬وأخرى فارسية‪ ،‬وأخرى توحيدية‪ ،‬رغب‬ ‫صاحبها بحمل ألقها ثانية لعدم إقراره بأن الخوف في البتداع ممنوع‪ .‬فالكائنات واللهة التي عاشت‬ ‫قديما?‪ ،‬تريد ان تبقى حية‪ ،‬وتتحد بما يليها من »شبهات« أو من »نبوءات«‪.‬‬ ‫لهذا قال أمين الريحاني مذ كتب المحالفة الثلثية في المملكة الحيوانية‪:‬‬ ‫قد كتبت قصة وليس كتابا ? لهوتيا?‪ ،‬فالثعلب في كتابي هو أنا‪ ،‬والحمار هو أنا‪ ،‬والحصان هو أنا‪ ،‬والبغل‬ ‫هو أنا‪.‬‬ ‫فأمين الريحاني إذ رفض الذعان لكل سلطة أبوية‪ ،‬جعل من مهماته التمرد والعصيان في حوار العقل‬ ‫وسؤال الحرية‪.‬‬ ‫وقد أيقن أمين الريحاني منذ زمن بعيد‪ ،‬أن الكتابة هي الركام المحايد الذي يجعل المؤلف يدخل في‬ ‫موته‪ ،‬لتنهض هي بحياته‪ .‬فإزاحة المؤلف عن عرشه‪ ،‬هي إزاحة طارئة‪ ،‬تترك للناقد حرية التأويل في‬ ‫فضاء متعدد المنابع‪ ،‬ل يختصره معنى واحد‪ ،‬بل معان ل نهاية لها‪ .‬فالبداع عنده »نول وخيوط« وليس‬ ‫ص مواز هو نص القارئ الناقد‪ .‬وفي‬ ‫رسالة لهوتية مقدسة‪ ،‬بل مساءلة لقدرته على الصمود في وجه ن ‪Z‬‬ ‫هذا قال أمبرتو إيكو‪ :‬ل شيء مفتوح أكثر من نص مغلق‪.‬‬ ‫فهو إذ يعود إلى جينيالوجيا الديان والمخطوطات‪ ،‬ينكر على الفقهاء واللهوتيين تقولهم في الله‬ ‫وأبوته‪ ،‬ومريم وبكارتها‪ ،‬مذ جعلوا من الله مكتبة‪ ،‬صار بها أكثر غيابا ? وأكثر غموضا?‪.‬‬ ‫فأمين الريحاني إذ يشير إلى المخطوطة التي ألهمته »كتاب خالد« يقول في الفاتحة‪:‬‬ ‫»هذا هو كتابي‪ ،‬كتاب خالد‪ ،‬الذي أهديه إلى أخي النسان‪ ،‬وإلى أمي الطبيعة‪ ،‬وإلى صانعي الله«‪.‬‬ ‫فالفاتحة التي استهل بها الريحاني‪ ،‬هي كالكتابة التي دونت في المخطوطة الفرعونية‪ ،‬ولكنها بقيت‬ ‫في هامش التاريخ الثقافي الصوفي وكأنها كتابة فسقية ل مكان لها‪ ،‬وكأن أصحابها خلقوا ليعيشوا في‬ ‫نصوصهم وفي كلمات تخبئ إنسانهم العلى والغريب‪ .‬فالحوار عندهم يقوم بين النا والنت‪ ،‬بغير‬ ‫وسيط‪ ،‬أو بشير‪ ،‬أو نذير!! إنه حوار يرفض المسبق والجاهز والموحى به‪ ،‬ليؤسس على الشطح وما‬ ‫فيه من شدة الوجد‪ ،‬وحال الهاتف اللهي الداعي مريده إلى التحاد به‪ ،‬لعله يصير منه الناطق بلسانه‪.‬‬ ‫فالتركيب الثقافي الذي مي‪œ‬ز »كتاب خالد«‪ ،‬أفصح عن هويته باللغة النكليزية‪ ،‬لعل الغرب الميركي‬ ‫يتقصى فيه البعد المشرقي الرسولي والقرار بوحدة الوجود‪.‬‬ ‫ل النسان‬ ‫ففيما كانت الحياة الغربية تتأسس على معرفة المادة وطاقاتها المتحولة والمتبدلة‪ ،‬ظ ‪œ‬‬ ‫المشرقي يبحث في جوانب نفسه الخف‪Z‬ية‪ ،‬التي تولد شعورا ? بالغامض واللمتناهي المتجاوز لطر‬ ‫المنطق والعقلنية‪ .‬فأول ما يلفت القارئ الغربي في »كتاب خالد« النسان المتأمل الذي يشمل‬ ‫بنظرته العالم‪ ،‬والمبشر بالحب النساني‪ ،‬والنصير المتحمس لكل ما هو نبيل وأخلقي‪.‬‬ ‫فالريحاني مذ كلف نفسه »بشبهة نبوية« جديدة‪ ،‬لحق به جبران خليل جبران في »نبيه« وميخائيل‬ ‫نعيمه في »مرداده«‪ ،‬لن الكتاب العرب لم يتجرأوا على مثل »الشبهة« التي تفوق بها الريحاني‪،‬‬ ‫وأشرقت ساطعة في مؤلفاته‪.‬‬ ‫فأمين الريحاني لم يعالج معضلة الدين بمنأى عن معضلة الصلح‪ ،‬والمقارنة بين تقدم الغربيين‬ ‫وتمسك الشرقيين بتقاليدهم العقيمة‪ .‬والسؤال هو »هل إنجازات الحضارات القائمة على الديان‬ ‫التوحيدية تفوقت على إنجازات الفراعنة والبابليين والسومريين والكاديين والزرادشتيين واليونانيين‬

‫والبوذيين والكنفوشيوسيين؟ إن نعت المجتمع بالديني يلغي القدرة على مواجهة التحديات الحقيقية«‪.‬‬ ‫وقد زعم بعض المستنيرين الشرقيين أن »التمسك بهوية دينية« هو إشارة دالة على أزمة مجتمع‬ ‫فشل في مواجهة الحداثة‪ ،‬والثورة العلمية‪ .‬فالمجتمعات التي ل تزال تطرح مشكلة هويتها الدينية‪ ،‬هي‬ ‫مجتمعات غارقة في الثبات والخوف من المستقبل‪ .‬فالثبات في القطار السلمية ظاهرة تتجلى في‬ ‫الصراع اليديولوجي بين الصوليات السلمية ونظم الحكم العلمانية المزعومة وغير الحقيقية‪ ،‬لنها‬ ‫وحتى اليوم لم تقم على فصل الدين عن الدولة‪ ،‬وهو الفصل الذي ينظر له بمنظار »المؤامرة«‪ .‬طبعا ?‬ ‫ليس المطلوب الخذ بالعلمانية‪ ،‬بقدر ما هو مطلوب تبيان رفضها وأسبابه‪ ،‬علما ? أن هذه »المؤامرة »‬ ‫ليست كفرا ول إلحادا بل هي نتاج إنساني‪ ،‬ي‪h‬رمى بالطابع الطوباوي أو النخبوي المستحيل النجاز‪ .‬فلو‬ ‫خرج العربي على ماضويته الغيبية ليبحث في المجهول وغير المألوف‪ ،‬في رؤيته للنسان والعالم‪،‬‬ ‫ليقن أن كل كلم يأتي بعد الكلم اللهي‪ ،‬ل بد ‪ œ‬له أن يكشف عن مجهولت لم يقلها الكلم اللهي‪ .‬إذ‬ ‫ذاك يبدأ التشكيك بسلطة المؤسسة التي صادرت الكلم اللهي ومنعت عنه كل أنا متسائلة تخلخل‬ ‫اليقيني الثابت لتفتح أبوابا ? على غياب التطابق بين الشياء والكلمات كما قال ميشيل فوكو‪.‬‬ ‫هذا الخلل في تثبيت الدللت الدينية الموروثة والوثوقية والمطلقة‪ ،‬هو ما جعل أمين الريحاني يدعو‬ ‫إلى ما دعا إليه إرنست رينان من إعادة قراءة الكلم اللهي في ضوء أصول اللغة وعلوم الفقه‪.‬‬ ‫فالكلم اللهي عند الريحاني ل يستخدم اللغة الصطلحية لكي يقرب بها الغيب بل لكي يبقيه بعيدا‪،‬‬ ‫ومحجوبا ?‪ .‬هذا البعد المحجوب هو الذي دفع بالريحاني لشبهة النبوءة‪ ،‬والتأسيس لوحدة الديان‪ .‬فبعد‬ ‫أن سئم الريحاني من تراثه المشرقي الذي صلب الحلج على أسوار بغداد‪ ،‬ودس السم لبن باجه‪،‬‬ ‫وأمر بقتل السهروردي‪ ،‬ونفي ابن رشد وإحراق كتبه‪ ،‬وتكفير ابن تيمية لبن عربي‪ ،‬وجد أنه من‬ ‫المستحيل ان يقول بلغته فكره العلماني التنويري‪ ،‬فقاله بلغة منفاه‪ ،‬ليبعد المتحاملين‪ ،‬والمغالين‪،‬‬ ‫والمكفرين‪.‬‬ ‫فالريحاني المأخوذ بعظمة الكتابة‪ ،‬يرى أن بواطن »كتاب خالد« وخفاياه‪ ،‬أعظم من أبي الهول‬ ‫والهرامات‪ ،‬لما يختزنه من قوة تقهر مخالب الزمن‪» :‬أوليس الكتاب أعظم من الهرم‪ ،‬أوليس خالد‬ ‫الذي ينتمي إلى أرض النبياء هو من ضرب بعنف‪ ،‬مثل سائر رفاقه وخلنه«‪.‬‬ ‫أسر لنا بأنه أشعل النار بصحائف من كتب والده‬ ‫‪œ‬‬ ‫فالريحاني الذي أغواه خالد بكتابة »تاريخه الحميم«‬ ‫المقدسة‪ ،‬وأخفى الصول المتواضعة لجداده‪ ،‬ليكشف بعض السرار المتعلقة بولدته الثانية‪ ،‬وباسمه‬ ‫الذي تمتم به ضارب الرمل‪.‬‬ ‫فصاحب الولدة الثانية‪ ،‬جاء يكشف أصول الميتافيزيقيا ومساربها‪ ،‬ويقول إنها ليست كل ? موحدا ? أو‬ ‫مدونة متجانسة‪ ،‬بل إنها موضوع مفتوح على العديد من السلسل المتشابكة‪ ،‬والندساسات‬ ‫المستعارة‪ ،‬والتحويرات المبطنة التي تستدعي علوم »الجينيالوجيا‪ ،‬والحفريات‪ ،‬والتفكيك« التي بها‬ ‫توضع حقيقة الميتافيزيقيا موضع سؤال يخلخل منها الثابت واليقيني‪.‬‬ ‫فالشتغال بهذه المفاهيم‪ ،‬التي كفر الريحاني بسببها‪ ،‬هي من صناعة الغرب المنشغل ـ بدءا ? من نيتشه‬ ‫وهيدغر مرورا ? بفوكو وانتهاء بدريدا ـ بتفكيك العمارة الميتافيزيقية‪.‬‬ ‫فكأن أمين الريحاني أدرك في كتاب خالد ما سيؤكده نصر حامد أبو زيد بعد ما يقرب من مئة عام في‬ ‫كتابه »مفهوم النص«‪ ،‬إذ قال‪ :‬لوقدر لنا أن نختزل الحضارة في بعد واحد من أبعادها لقلنا ان الحضارة‬ ‫المصرية القديمة هي حضارة »ما بعد الموت« وان الحضارة اليونانية هي حضارة »العقل«‪ ،‬أما‬ ‫الحضارة العربية السلمية فهي حضارة »النص« التي تحتاج أبدا ? إلى تأويل يبعد عنها اجترار الثوابت‬ ‫أوالكتفاء بفضائها المغلق‪ .‬فالتأويل يجب أل يكون فعل ? مجانيا?‪ ،‬بقدر ما هو تحك‪Z‬م بتجاويف النص‪،‬‬ ‫وصعوبة المساك بتعدده وتشعبه وتفلته وتقنعه‪.‬‬

Filed under project-khalid